النساء الباحثات في العلوم الإنسانية والإجتماعية بين المطرقة والسندان

books
شارك المقالة


          إن مفتاح المعرفة هو السؤال، وللإجابة على السؤال لا بُدَّ لنا من البحث؛ ولكي يكون البحثَ مُجديًا، يجب أن يكون مُمنهجًا ومدروسًا مُستندًا إلى أسس ومبادئ في علوم البحث والمنطق والنظرية، وعلم التجريب. بهذه السيرورة، ترتقي العقول الباحثة، وتتطور العلوم النافعة، وتنهض المجتمعات بكل قوة وثبات ورسوخ.  إذ أنه ليس غريبًا أن يُقال في عصورٍ سابقة ولا زال حتى عصرنا الحالي بأن البحث العلمي، في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية والهندسية والصحية، هو ركيزة أساسية من ركائز تطور المجتمعات البشرية ونهضتها، أو كما أشار إليه العزاوي(2008) 1في تعريفه لاصطلاح البحث العلمي على أنه “محاولة اكتشاف المعرفة والتنقيب عنها، وفحصها، وتحقيقها بتقص دقيق ونقدٍ عميق، ثم عرضها بشكل مكتمل، وبذكاء وإدراك لتسير في ركب الحضارة الإنسانية، وتُسهم فيه إسهامًا إنسانيًا حيًا وشاملًا”.

يُعد النشر العلمي المحكَم للورقة البحثية بغض النظر عن شكلها العلمي، إن كان تقريرًا بحثيًا، ورقة مراجعة، دراسة تجريبية، دراسة نقدية، …الخ. تتويجًا لجهود الباحثات والباحثين بعد الانتهاء من عملية البحث وجمع المعلومات الكيفية/ النوعية أو الكمية، وتحليلها، وتفسير النتائج التي تم التوصل إليها. إذ أن النشر العلمي يُكسب أهمية علمية وعملية بالغة للمجهود الذي بُذِلَ في إتمام الورقة البحثية، عدا عن محاولة لسد الفجوات البحثية والوقوف على آخر ما وصلت إليه مآل هذا العلم، أو موضوع البحث، أو القضية/ الظاهرة المدروسة. خلافًا لذلك، هنالك عقبات وتحديات من شأنها أن تعيق إتمام خطوة النشر العلمي للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبالتالي تنعكس تأثيرها سلبًا على الباحثة الفلسطينية في محاولة لتصميم هويتها البحثية.
بلغ عدد الطلبة المنتسبين لمؤسسات التعليم العالي في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة، ومؤسسات تعليمية في مدينة القدس التابعة لوزارة التعليم العالي) لعام 2021 حوالي 214,765 طالبًا وطالبة، بما نسبته 61.7% من الطالبات الإناث، و38.3% من الطلبة الذكور. وبالتركيز على فئة الطالبات الإناث؛ فإن الوزن الأكبر، ويعادل 59.1%، للتخصصات التي تنتسب إليها الطالبات الإناث هي تخصصات التربية، الفنون والعلوم الإنسانية، العلوم الاجتماعية والإعلام والصحافة، الإدارة والقانون في مقابل العلوم الصحية والطبية التي بلغت نسبة 39.3%2 . من جانبٍ آخر، وقياسًا لمخرجات جودة التعليم العالي للتخصصات المذكورة آنفًا، والتي تندرج تحت مظلة العلوم الإنسانية والإجتماعية، فإن واقع البحث العلمي والنشر العلمي في هذه العلوم مقارنةً بالعلوم الطبيعية والصحية والتقنية مرتفع. إذ بلغت عدد الأوراق العلمية المنشورة 3786 ورقة علمية مُحكّمة ومنشورة صادرة عن الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، غالبية هذه الأوراق تندرج ضمن فئة العلوم الطبيعية والصحية والتقنية والهندسية بما نسبته 34.1%. إن هذه النتيجة فارقة جدًا، أي أقل من 50% إذا ما قارناها بما نسبته لصالح الأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية، والتي تعكس لنا واقع البحث العلمي في فلسطين رغم وجود جهود حثيثة من قبل الهيئات الإدارية في مجالس البحث العلمي داخل أروقة الجامعات الفلسطينية للبحث في تطوير وتكثيف النشر العلمي في مجلات عالمية 3ذات عامل تأثير عالٍ.
وفقًا لما ذُكِر أعلاه، تسعى هذه الورقة للوقوف على تساؤلات مركزية حول طبيعة توّجه الباحثات الفلسطينيات ذوات تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية للبحث العلمي ونشره في مجلات ذات تصنيف عالمي، والتحديات التي تواجهها، ثم سُبُل الدعم التي تسعى له؛ لتثبيت هويتها البحثية على الصعيد الأكاديمي المحلي والدولي.

تحديات الباحثات الفلسطينيات في البحوث والدراسات الانسانية والاجتماعية
على كثرة كُليات العلوم الإنسانية والاجتماعية في مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية بصفتها جزءًا لا يتجزأ من نظام البرامج الأكاديمية؛ فإن المجلات العلمية المُحكَمَة المشهورة على المستوى العلمي الفلسطيني، والتي لها رقم تصنيف عربي ودولي، هي: مجلة جامعة النجاح الوطنية، ومجلة جامعة القدس المفتوحة، ومجلة الجامعة الإسلامية-غزة، لها نتاجات بحثية غزيرة ومميزة على مستوى المنطقة العربية والمجتمع العلمي في البيئة العربية الفلسطينية.
هنالك بعض المجالات/ العلوم الفرعية التي تندرج تحت مظلة العلوم الإنسانية والإجتماعية، تُصَنّف على أنها أحد حقول العلوم الصحية كعلم النفس بكافة فروعه، أو العلوم الإقتصادية كعلوم الإدارة والاقتصاد، أو العلوم السياسية والقانونية، وحتى العلوم التربوية. هذا الاختلاف في التصنيف يُعزى إلى تباين الثقافة العلمية والبحثية بين المجتمعات العالمية كدول ومؤسساتها التعليمية؛ لهذا ينعكس هذا التفاوت سلبًا نوعًا ما على تطوير هوية الباحثة العربية. لنأخذ علم النفس مثالًا على ذلك، في المجتمع العربي، يُعتبر علم النفس أحد حقول العلوم في الكليات الإنسانية والاجتماعية والتربوية، ورغم أن علم النفس يشتمل في فروعه على علم النفس الاكلينيكي/ السريري، والعلاج النفسي، والأمراض النفسية، وهذه الفروع تتقاطع بشكل كبير مع علوم الصحة؛ لهذا فإن سعي الباحثة لتصميم دراسة بحثية ونشرها دوليًا في مجلة ذات تأثير عالٍ قد يحمل بعض من الصعوبات؛ التي تستدعي إما إجراء الدراسة البحثية دون نشرها، أو إعادة تصميم الدراسة البحثية بما يتناسب مع أسس البحث والنشر العلمي في هذا الحقل، أو ترجمة العمل البحثي من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية؛ حتى يتواءم مع متطلبات وشروط النشر الدولية والأجنبية. الجدير بذكره، أن المجلات العربية المحكمة والتي لها رقم تصنيف دولي، بدأت باستدخال قسم “مُلخص الدراسة باللغتين العربية والإنجليزية” في محاولة لسد الفجوة البحثية في النشر العلمي، واعتماد رقم مرجعي للورقة البحثية دوليًا، وهذه خطوة جيدة ولكنها ليست كافية لأسباب كثيرة يمكن الاستدلال بها خلال قراءة هذا المقال.
على صعيدٍ آخر، إن العلوم الانسانية والاجتماعية هي علوم غير محسوسة/ملموسة في أثرها (معنوية)، أي أنها تميل للأسلوب البحثي الوصفي أو السردية التاريخية. وبالتالي، هنالك اتجاه سائد كما أشار إليه حنّا (2014) في مقاله بأن هذا الأسلوب الوصفي هو أسلوب دون فائدة منه، ولا يُساهم في تقديم أو إضافة قيمة علمية وتطبيقية جديدة وفريدة على أرض الواقع مقارنة بغيرها من أنواع العلوم التي تعتمد على البحوث التجريبية، والمراجعات السردية والنقدية، والإحصائية4. ولو أسقطنا ذلك على واقع البحوث والدراسات الانسانية والاجتماعية في البيئة العربية؛ لقلنا أنه يجانب الصواب، وهذه حقيقة، لأن غالبية هذه الدراسات هي استهلاكية، أي أنها مُكررة باستثناء إضافة أو تعديل جوانب منهجية بسيطة منها. مع ذلك، فإن علم النفس هو علم فلسفي نظري وتجريبي تطبيقي، ومجال البحث والدراسة والمعرفة فيه مُتجددة خاصة إذا ما تلاقت مع علوم ومجالات أخرى، وإمكانية إنتاج المعرفة المفيدة والقابلة للتطبيق والإفادة بها على صعيد المجتمع العلمي والمجتمع البشري واسع جدًا.
إن المنطقة العربية، وخاصة المجتمع البحثي الفلسطيني يميل في بحوثه في العلوم الإنسانية والإجتماعية إلى اعتماد اللغة العربية في إجراء البحوث والدراسات، وكتابتها في ورقة بحثية بصورة نهائية، وهذا أمر نريده ونسعى للحفاظ على الارتقاء باللغة الرسمية للمنطقة العربية والمساهمة في الحفاظ على الموروث العلمي، إلا أن بناء/ تصميم وتطوير الهوية البحثية للباحثة يحتاج إلى الوصول للمجتمع البحثي الأجنبي (المُعتمَد رسميًا باللغة الإنجليزية)؛ وبالتالي، محاولة تقديم الأعمال البحثية باللغة المعتمَدة عالميًا، ألا، وهي: اللغة الإنجليزية؛ لأن هذا يُعزّز من آفاق كثيرة للباحثة في التشبيك والتعاون، أو حتى في إكمال دراساتها العُليا؛ خاصة وأن الدراسات العُليا اليوم تتطلَب من الباحثة أن تمتلك خبرة بحثية كافية في النشر العلمي، وأبحاثها الأكاديمية المنشورة ستكون خير مثال على دعم فرص قبولها في أية فرص ذات صلة بمواصلة الدراسة أو الزمالة البحثية، أو حتى المشاركة في مؤتمرات علمية دولية.
عاملٌ آخر، إن ندرة أو عدمية وجود دعم أكاديمي مع الباحث الأول في الدراسة، خاصة إذا كانت الباحثة لا تعمل في مؤسسة أكاديمية، أو لا يكفي مؤهلها التعليمي لوحده لقبول دراستها ونشرها في مجلة مرموقة عالميًا، أو الافتقار لتعاون أكاديمي معين مع أكاديميين لهم باعٍ طويل في البحوث العلمية ونشرها. وفي هذا إشكالية أود أن أقف عندها قليلًا، إن الدعم الأكاديمي المُتاح لدعم البحث والنشر العلمي للطلبة في كليات العلوم الطبيعية والصحية أسهل وأيسر بكثير من الدعم والإشراف الذي يتلقاه الطلبة في كليات العلوم الإنسانية والإجتماعية، خاصة وأن شكل الدعم هنا يتخذ صورة وجود أعضاء هيئة أكاديمية تسعى للنشر العلمي في مجلات عالمية مرموقة بهدف رفع نسبة الرصيد البحثي للأستاذ المُشرف، وفي الآنِ نفسه دعم الطالب/ة كخطوة أولى على طريق البحث والنشر العلمي الدولي.
يتطلّب النشر العلمي في مجلة علمية مرموقة ذات معامل تأثير عالٍ دفع مبالغ طائلة قد تفوق الحاجة المادية للباحثة، خاصة إذا كانت المجلة مُصنفة تصنيفا عاليا وأجنبية، أو إن لم تكن تعمل الباحثة في مؤسسة بحثية أو أكاديمية، أو مؤسسة في القطاع العام أو الخاص، أو عدم توفر جهات مانحة لدعم نشر دراستها/ ورقتها البحثية ماديًا. إضافة لذلك، قد يكون هنالك مجلات علمية عربية مرموقة، برسوم نشرٍ مقبولة، وهذا صحيح، ولكن الباحثات يبحثنّ عن نشر علمي معتمد من شأنه أن يُساهم في بناء سُمعة أكاديمية للباحثة. من جانبٍ آخر، قد يكون هنالك عبئًا ماديًا على المؤسسة الأكاديمية حول تغطية تكاليف النشر العلمي، وهذه لا أراها حُجة مُقنِعة، خاصة وأن المؤسسة الأكاديمية ترتفع قدرها بجودة مخرجاتها في التعليم، وبزيادة رصيدها البحثي من النشر العلمي.
ثم تأتي برامج الدعم والتمويل البحثي سببًا وعاملًا مهمًا في بناء وتطوير الهوية البحثية للباحثة، فغالبية برامج الدعم المُقدَمة إما ترتكز على العلوم التقنية والطبيعية والصحية دون غيرها من العلوم الإنسانية والإجتماعية، أو تتبع أجندات خارجية معينة تحتَم على الباحثة الالتزام بشروط معينة قد لا تتوافق مع ما تصبو إليه الباحثة، أو عوامل أخرى ترتبط بالجنس، والعمر، والمؤهل الأكاديمي، مكان العمل، عوامل سياسية (في الحالة الفلسطينية)، عوامل اجتماعية-ثقافية، الخبرة البحثية وغيرها.نسعى كباحثات أكاديميات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى بناء وتطوير هوية بحثية مرموقة من شأنها أن تدعم حقول الاختصاص المختلفة في هذا النوع من العلوم. لذلك نأمل بتوفير برامج توجيه بحثية شاملة إما داخل المؤسسات التعليمية، أو معاهد ومؤسسات بحثية، تُمكّن المرأة من تصميم ونشر هويتها البحثية في المجتمع البحثي العربي والعالمي. من جانب آخر، استقطاب الدعم بمختلف أنواعه على صعيد المالي والخبراتي (مع التأكيد على عدم الخضوع لشرط الممول بطريقة تتعارض مع الخصوصية الثقافية والعلمية والبحثية) من الجهات الدولية المانحة سواء مؤسسات بحثية دولية، أو الشراكة مع جامعات مختلفة، أو زمالات بحثية، دون التحيز على أساس الجنس أو الدين أو اتباع أجندة معينة لا تخدم العمل البحثي وأخلاقياته.كإن الباحثات الفلسطينيات في العلوم الإنسانية والاجتماعية يواجهنّ تحديات جُمّة أسبابها كثيرة، وحلولها مُتاحة. إلا أن التحدي الحقيقي هو كيف يمكن إمساك طرف الخيط في مواجهة هذه التحديات وتجاوزها، وبناء هوية بحثية مميز للباحثة الفلسطينية في حقول العلوم الإنسانية والإجتماعية – خاصة العلوم النفسية في المجتمع العربي والمجتمع الدولي. إذ أن تقدّم العلم اليوم يشق طريقًا عظيمًا في الإسهام بتطوير الحضارة البشرية والسموّ بها، لذا لا بد من الإلمام العلمي الكافي بمتطلبات العصر، ومتطلبات واقع السياق البيئي والمجتمعي والعلمي المُعاش فيه، وهذا ما سعت إلىه الورقة في محاولة للوقوف على واقع الباحثات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وسُبل توفير الدعم الملائم لهنَّ.
ختامًا، تخلص هذه الورقة إلى أهمية دعم الطالبات والباحثات من النساء العربيات والفلسطينيات، اللواتي يدرسن أو يعملن في الحقول الإنسانسة والاجتماعية- خاصة حقل علم النفس بصفته حقلًا يتقاطع مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، والعلوم الصحية من جانبٍ، ولديهنَّ ميول للتوجه نحو السلك الأكاديمي البحثي بتصميم وتطوير الهوية البحثية الخاصة فيهنَ من جانب آخر؛ لرفد قطاع التعليم والأكاديميا بكفاءات نسائية فاعلة في ميادين البحوث الإنسانية والإجتماعية، وتطوير الواقع عبر تنفيذ المخرجات البحثية بطرح استراتيجيات فاعلة بالتعاون مع الجهات المعنية.

المصادر
1- العزاوي، عبد الرحمن عيسى. (2008). أصول البحث العلمي. عمان: دار الخليج للنشر والتوزيع
2- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 2021. الدليل الإحصائي السنوي لمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية للعام الدراسي 2021/2020. رام الله – فلسطين.
3- منظمة المجتمع العلمي العربي، 2019. لمحة عن البحث العلمي في فلسطين 2008-2018
4- نعيرات، رائد، وعليوي، معاذ. (2021). البحث العلمي في فلسطين: الواقع، الاستراتيجيات، التحديات. مجلة علوم الإنسان والمجتمع-جامعة بسكرة/ الجزائر، (10)، 85 – 118.
5- عيسى، حنّا. (2014). البحث العلمي بالجامعات الفلسطينية: التوجهات المستقبلية. مجلة الدراسات

اترك تعليقاً