النساء في الانتخابات المحلية الفلسطينية: التفاوض بين الحيز العام والخاص وضياع الصورة في المنتصف

1-1533796535-1615118308-jpg-1615118308.wm
شارك المقالة

لقد أعاد المجتمع تعريف الحيز العام مرات ومرات، فبعد أن كان يعني كل ما هو خارج جدران البيت بالنسبة للمرأة، استثني من هذا الحيز الذي لا يحبذ تواجد المرأة فيه المدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية حسب الحاجة، ولاحقا استثنيت  المساجد والجامعات على مضض، ثم الساحات العامة وبعض أماكن الترفيه، وبقيت حصون صناعة القرار بشقيه المدني والديني حيزا عاما لا مكان للمرأة فيه إلا ما ندر، كالقضاء والإفتاء والسياسة وممارستها. وأخيرا بدأ التفاوض على هذا الحيز كذلك. ولكن المفاوضات هذه المرة استوجبت جهودا أكبر وعراكا حامي الوطيس، كون الحيز العام في هذه المرة مرتبطا بشكل مباشر بصناعة القرار واحتكار رأس المال بشقيه المادي والمعنوي. 

لقد أوجب القانون الفلسطيني كوتة للنساء في المجالس المحلية والبرلمان وكافة المناصب العامة التي يتم اختيار الأشخاص فيها عن طريق الانتخابات. هذه الكوتة تحتم على الأحزاب والتجمعات الفلسطينية الراغبة بخوض الانتخابات بإشراك المرأة بنسبة محددة تصل إلى الربع. لكن الكوتة كما هو معلوم تحل معضلة “الكم” ولا تحل معضلة “الكيف”. إنها ببساطة تعطي مزيدا من أوراق القوة لمختلف القوى التقليدية والكبرى الراغبة في خوض الانتخابات، وتشكل مزيدا من الضغط على النساء الطموحات الراغبات في خوض غمار المشاركة في الحيز العام. إن المرأة في هذه الحالة السياسية كغيرها من الحالات الاجتماعية “مفعول به”؛ فهي التي تنتظر القوى المحلية والمجتمعية لاختيارها ولا تساهم في ديناميكية اختيار المرشحين، كما أن المواصفات التي ينظر إليها أصحاب القرار أثناء اختيار مرشحاتهن شبيهة إلى حد بعيد بالمواصفات اللازمة لعملية “الانتقاء الاجتماعي”، فالنظر إلى المرأة في هذه الحالة ليس كفاعل مؤثر في حقل سياسي وإداري بقدر ما هو نظر إلى امرأة تنطبق عليها مواصفات الأم أو الزوجة الجيدة، وفي قليل من الأحيان كابنة جيدة حيث أن شريحة النساء الأقل عمرا غالبا ما تستثنى من عملية الاختيار أصلا.     

إن عدم وضع صورة العديد من النساء المرشحات في الانتخابات البلدية المحلية المزمع عقدها في الضفة الغربية في فلسطين واستبدالها برموز وشعارات ذات دلالات محددة، تعكس السباق المحموم بين تيارات فكرية وثقافية في المجتمع لإعادة تعريف الحيز العام والخاص ومكان المرأة في كل منهما. غير أنه وفي هذا السباق المحموم كانت صورة المرأة بالمعنى الحرفي للكلمة أول المتساقطين من الأجندة. 

لقد فرضت الكوتة على النخب الرمزية في المجتمع، وأهمها في الحالة الفلسطينية العشيرة والعائلة والأحزاب السياسية الكبرى، إشراك المرأة في هذا الجانب من الحيز العام وهو الممارسة السياسية بأبسط أشكالها والمتمثلة بتمثيل المجلس القروي، أو البلدي في منطقتها. فأصبحت عملية التفاوض لا على وجود المرأة نفسها وإنما على شكل ونوع وآلية تواجدها، بل على نوعية المرأة المرشحة بذاتها. فأصحاب رأس المال المعنوي هم من يقررون من سيتم ترشيحها من النساء، والزوج أو الولي هو الذي يقرر ما إن كان يقبل بظهور صورتها على البطاقات التعريفية وفي الدعاية الانتخابية، والحزب السياسي هو الذي يقرر أي النساء أكثر انضباطا وطاعة (وكفاءة في بعض الأحيان) بين صفوفه لترشيحها. والمجتمع يبارك كل ذلك أو يتغاضى عنه لاعتقاده أن المرأة أصلا لن تلعب دورا محوريا في صناعة القرار وإنما ستكون أداة تنفيذية فاعلة وفقا لما أظهرته التجارب الانتخابية السابقة سواء في المجالس المحلية أو في الجامعات الفلسطينية أو في الاتحادات والنقابات أو في المجلس التشريعي. 

غابت صورة المرأة في العديد من القوائم من مختلف التيارات والتوجهات الفكرية، والذريعة دائما موجودة، فإما أن تستند بعض القوائم إلى تأويلات دينية تنطبق على المرأة دون الرجل، على الرغم من وضوح النص القرآني في هذه المسألة، وإما أن تستند إلى ذريعة عرفية مجتمعية لا يعرف أصل منشئها ولا معايير التعامل معها. وفي كلتا الحالتين غابت صورة المرأة من هذا الحيز العام مجددا.  

اترك تعليقاً