خدمات الصحة النفسية والعقلية بين الواقع والمأمول: البرنامج الوطني لإحالة ضحايا العنف من النساء والفتيات في فلسطين (أنموذجًا)

subjects_sexual-assault_Hads
شارك المقالة

توطئة

صدر مؤخرًا عن المبادرة النسوية الاورومتوسطية، والمدعومة من الإتحاد الأوروبي، مرجعًا منشورًا ذا صلة بالمؤشر الإقليمي حول مكافحة العنف ضد النساء والفتيات (VAWG) في المنطقة العربية، وذلك باستضافة المرصد الإقليمي لمؤسسات المجتمع المدني (RCSO). وقد نوقش في المؤشر الإقليمي واقع التطبيق الفعلي لسياسات مكافحة العنف ضد النساء والفتيات في الوطن العربي، من بينها دولة فلسطين.

سعت الأطر الحكومية والمؤسساتية في فلسطين إلى تبني موقفًا واضحًا حول ضرورة مكافحة العنف بأشكاله المختلفة من بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي، أي القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في المجتمع الفلسطيني. إلا أن المفارقة في هذه المسألة، أن التغيير الذي يستوجب إحداثه في بعض مواد قانون الأحوال الشخصية – بغض النظر عن خصوصية هذا القانون في السياق القانوني الفلسطيني- لا زالت مُعلّقة ولم تشهد أي جديد.  

إذًا، تأتي هذه الورقة للوقوف على جزئية مهمة تطرّق إليها المرصد الإقليمي أعلاه الخاصة بإمكانية ضحايا العنف من النساء والفتيات بالوصول لموارد وخدمات الصحة النفسية والعقلية على الصعيد المؤسساتي بتأمين احتياجاتهن من الصحة والأمان، وعلى الصعيد المجتمعي بضرورة التثقيف والتوعية. لذا فإن الإشكالية المركزية هنا، إلى أي مدى يعكس الإطار المؤسساتي في فلسطين سياسات مكافحة العنف ضد النساء والفتيات وتوفير الخدمات الصحية النفسية لهنّ حسب ما أشار إليه المرصد الإقليمي وبحسب ما هو مأمولًا منه، خاصة وأن دولة فلسطين حاضرة في الاتفاقيات الدولية التي تُعنى بالمرأة وحقوقها وحمايتها.

التأطير العملي لخدمات الصحة النفسية والعقلية المُقدَّمة لضحايا العنف من النساء والفتيات

بحسب النتائج الأولية لمسح العنف في المجتمع الفلسطيني لعام 2019، فقد بلغت ما نسبته 56.6% من النساء المتزوجات أو ممن سبق لهن الزواج، و 39% من النساء الغير متزوجات، تعرضنّ للعنف النفسي كأعلى نسبة من بين الأنواع  الأخرى للعنف (العنف الجسدي، العنف اللفظي، العنف الجنسي، العنف الاقتصادي) في الضفة الغربية وقطاع غزة. إضافة إلى ما نسبته 61% من النساء اللواتي فضلّنَّ الصمت وعدم الإفصاح للدائرة الإجتماعية القريبة، أو لجهة مؤسساتية أو قانونية مقابل 1% ممن توجهنّ لطلب استشارة/ دعم نفسية أو اجتماعية. 

وفقًا للنتئائج أعلاه، فقد جاء المرصد الإقليمي ليؤطر السبب حول انخفاض نسبة التوجه لطلب مساعدة نفسية أو اجتماعية، وذلك بتوضيح الفارق/ الفجوة، والتي أشار إليها المرصد في باب الإطار القانوني والسياسات العامة

كما يساعد الدعم النفسي في تيسير متابعة هؤلاء الضحايا، والاستماع إليهن، وإعلامهنّ بأنواع المساعدة المختلفة المتوفرة والإجراء الذي يلزم إتباعه لتقديم بلاغ عن العنف.” مع ذلك، فقد رصد أن “دور الإيواء الحكومية التابعة لوزارة التنمية الإجتماعية في فلسطين تقدّم المشورة النفسية، والشرطة توفر خطًا ساخنًا ولكنه مخصص للإبلاغ عن جميع القضايا الجنائية والتي يختص بحالات العنف ضد النساء والفتيات”.

لا زالت وزارة المرأة تؤكد في تقاريرها حول البرنامج الوطني لمكافحة العنف – على وجه الخصوص، استراتيجية مكافحة العنف للأعوام 2017-2022- حول أهمية وصول النساء الناجيات من العنف إلى كافة الموارد التي من شأنها أن تحفظ لهن حقوقهن في الأمن والأمان والصحة، وتطرح آليات تنفيذية لتطبيق رؤيتها من هذا البرنامج، إلا أن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يكاد يكون معدومًا بما يتصل بخدمات الصحة النفسية وآليات التشبيك مع الجهات القائمة على خدمات الرعاية الصحية الممثلة بوزارة الصحة الفلسطينية. خاصة وأن وزارة الشؤون الإجتماعية بمؤسساتها الداخلية هي الحاضنة الرئيسية للبرنامج الوطني لتحويل النساء المعنّفات أو الناجيات من العنف.

 من جانب آخر، أشار المرصد في –المؤشر 42 – حول القدرات المهنية للمستجيبين (أي طواقم خدمات الرعاية الصحية) على الخطوط الأمامية

هذا المؤشر يبرز واقعًا يرتبط بعدم  توفير برامج تأهيلية متكاملة للمرأة الناجية من العنف، والتي يًسهل الوصول إليها ضمن نطاق خدمات الصحة العامة، ويبقى السؤال، إذا لم يكن هناك كوادر مؤهلة في نطاق الخدمات الصحية -تحديدًا على الصعيد التدخلات النفسية وقت الأزمات في حالات العنف-، فماذا ستكون طبيعة المشورة النفسية المقدّمة من قبل وزارة التنمية الاجتماعية!؟

استقطاب الدعم المالي من الجهات الدولية المانحة بين ديمومة مؤسسات المجتمع المحلي وبناء ذوات نسائية فاعلة

يثُير حفيظتي في كثير من الأحيان حجم التمويل المانح لمؤسسات القطاع العام الحكومي، ومؤسسات المجتمع المحلي، والذي يسعى للتركيز على رفع مستوى الوعي الجماهيري حول قضايا المرأة ومكافحة العنف. إذ أن السؤال البارز هنا

يؤكد المرصد بحسب المؤشر رقم 43 إلى ضرورة “مأسسة برامج تدريبية حول العنف ضد النساء والفتيات في الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة،…، تعتبر برامج التدريب المؤسسي المستدام وبناء القدرات حول مواجهة العنف ضد النساء والفتيات أمور جوهرية لبناء القدرات بشكل يراعي منظور النوع الاجتماعي في الوزارات والمؤسسات الحكومية.”  

إلى الآن، لماذا ينصبّ التركيز على البرامج التثقيفية لتعزيز مفاهيم النوع الاجتماعي دون التطرق لجذور إشكالات واقع العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني في ظل سياق مجتمعي، أقل ما يمكن وصفه، أنه حالة مُركبّة بصفته مجتمعًا مُستعمَرًا إلى جانب ثقافة السلطة الأبوية كثقافة مركزية رئيسة في المجتمع العربي؟ إذ أن وزارة المرأة الفلسطينية تسعى لتنظيم هذه البرامج التدريبية بحسب المؤشر 40، والذي ينص على “وجود توعية حكومية وحملات دعوة لمواجهة القوالب النمطية والعنف ضد النساء والفتيات في المجالين العام والخاص وإلقاء اللوم على المجرمين”.

ولكن، ألا يكن من الأفضل أن يتم دعم المرأة بحقها في الوصول لكافة الخدمات النفسية وتأهيلها صحيًا، ثم العمل على تأهيلها اقتصاديًا؟ أم أن سيرورة هذا الإتجاه يتقاطع مع مصالح مؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات التعاونية والمراكز النسوية؛ بحيث أن قلة الدعم المادي أو انقطاعه من شأنه أن يؤثر على بقاء واستمرارية، بل وديمومة المؤسسة بمزاولة مهامها ونشاطها المجتمعي، بالرغم أن الهدف العام من تأسيسها بالغالب لا يتضمن تقديم خدمات الرعاية الصحية بشقيّها النفسي والجسدي لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات!

الوجه الآخر لهذه القضية، أن مؤسسات القطاع العام الحكومي تُعد جزءًا من هذه الإشكالية، إذ أنها تعمل على تصميم هذه البرامج التدريبية بل وترجمتها وتحريرها دون الوقوف على مآلات وواقع المجتمع الفلسطيني في التعامل مع متطلبات هذه الظاهرة بصفتها ظاهرة مركّية (العنف الخارجي، والذي يتصل بالأثر الإستعماري على المجتمع الفلسطيني، والعنف المحلي المرتبط بمؤسسة الأسرة  ومؤسسات المجتمع المدني).  

الخلاصة

إن مبادرة المرصد الإقليمي لتتبع واقع السياسات العامة للدول العربية من بينها فلسطين؛ للوقوف على ظاهرة مكافحة العنف ضد النساء والفتيات خطوة ريادية وعملية تهدف لتقويم وتفعيل مسار الأطر القانونية والسياسات العامة بالإتجاه الصحيح. وبالتزامن مع الإعلان عن تشكيلات الوظائف لعام 2021، بدأت وزارة الشؤون الإجتماعية بطرح وظائف في مجالات الخدمة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية لمتابعة حالات النساء اللواتي تعرّضن للعنف، وهذا جيد، ولكن متى يمكننا أن نرى فريق رعاية خدماتي كامل يأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالتأهيل النفسي للمرأة وإعادة دمجها في المجتمع بطريقة سوية، وبما يحفظ لها استقرار صحتها النفسية؟

ختامًا، تخلص هذه الورقة إلى أن الجهود المبذولة في مكافحة العنف ضد النساء والفتيات في فلسطين هي جهود ضعيفة جدًا بل تكاد معدومة بما يتعلق بتقديم الخدمات الصحية بمختلف مجالاتها (وخاصة الرعاية النفسية  الإجتماعية) وتأهيل النساء صحيًا كما يجب؛  بما يمكّنها من تجاوز برنامج التعافي والاستشفاء النفسي، وإعادة بناء ذاتها بما يحفظ لها حقوقها وكرامتها، ويرفع من مستوى جودة الحياة وانعكاسه إيجابًا على الشعور العام بالرضا عند المرأة المعنفة و/ أو الناجية من العنف.

الببيلوغرافيا

اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة. (د.ن.). الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء 2011- 2021. فلسطين: وزارة شؤون المرأة.

المبادرة النسوية الأورومتوسطية. (2021). المؤشر الإقليمي مكافحة العنف ضد النساء والفتيات (VAWG) : المرصد الإقليمي لمؤسسات المجتمع المدني (RCSO).

اترك تعليقاً