التمييز في سوق العمل الفلسطيني

pexels-monstera-5997312
شارك المقالة
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp

   تعد البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبلدٍ ما مكونات بنيوية  لتحديد مشاركة المرأة في سوق العمل، مع الأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تجابه النساء عند الولوج لسوق العمل، خاصة مع متطلبات البنية الإنتاجية، وتذرع التوجهات والثقافة القائمة حول إشكاليات المهارات والكفاءات التي تمتلكها النساء، بهدف الإقصاء منذ اللحظة الأولى، ووضع عراقيل تبرهن أن مشاركة المرأة في القطاع الصناعي كانت ضعيفة بسبب الضعف في مجال الصناعة، بينما شهد قطاع الزراعة مشاركة أوسع للنساء عبر الفترات الزمنية المختلفة، كون الزراعة هي الحرفة الأساسية للكثير من الفلسطينيين، والتي تتوافق ضمن الثقافة القائمة بأدوار النوع الاجتماعي، وجندرة المهارات الزراعية على اعتبار أنها ضمن منظومة الأدوار التقليدية والإنجابية للنساء.

  فأصبحت المرأة  تشغل الوظائف الإدارية الدونية في القطاع الخدماتي، مقابل تموضع الرجال في الوظائف العليا -غالباً- في القطاعات الخدماتية.

  بالرغم من الإنجازات والمساهمات المحدودة التي بدت واضحة ومرئية في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية وفيما يخص المرأة الفلسطينية تحديداً، إلا أن تلك المساهمات والإنجازات ما زالت هشّة في جزء منها، وخاصة أنها تعتبر امتداداً لدورها التقليدي (الإنجابي) المتعارف عليه، حيث لم تتمكن المرأة من تعزيز مكانتها وقدرتها على المشاركة الفعلية وصنع القرارات بشكل مستقل. كذلك  لم تستطع المشاركة في صناعة التغيير والتأثير في السياسات والقوانين المتعلقة بحقوق المرأة.فارتبطت الإشكاليات الأساسية بالتباين في المشاركة الاقتصادية ومن المؤشرات الواضحة على تلك المشاركة تلك المرتبطة بمشاركتها بالقوى العاملة ، والذي باتت المشاركة فيه تبنى على معايير النوع الاجتماعي والطبقة والعمر والجغرافية السياسية (نصر، 2011). كذلك اتسمت الإشكاليات الأخرى بمشاركة المرأة في القوى العاملة، بالاعتماد على نوع القطاع المتاح لعملهن؛ فمعظم النساء تعمل في قطاع الخدمات وفي الوظائف الدونية بالغالب العالي نسبيا، إضافة إلى  أن مشكلة البطالة بدت تسجل  نسب مرتفعة في صفوف الخريجين عامةً، وبين الإناث الخريجات خاصة، نتيجة لإقبال النساء على تخصصات  محددة، و كذلك الفجوة ما بين نوعية التعليم ومخرجاته ومتطلبات سوق العمل (داود، 1999 : عويضة، 2006 ).

 علاوة على دونية المكانية الوظيفية، بدا التمييز يتهيكل في تلك المجالات والقطاعات التي تتواجد بها النساء،  فهنالك عدّة أشكال للتمييز تبعاً لظروف متعلقة بالسوق الفلسطيني، من حيث اعتماده بغياب الإمكانيات والمهارات لدى النساء للعمل في الوظائف على اختلاف مهامها وطبيعتها، والذي قاد بالنهاية إلى  توظيف العاملين الفلسطينيين الذكور، بنسب عالية في القطاع الخاصة باعتباره المشغل الرئيسي الأول، وفي القطاع الحكومي باعتباره المشغل الثاني في فلسطين (الكفري، 2011: عويضة، 2010(:. وكذلك باتت الوظائف المتاحة في سوق العمل لدى الاحتلال وفي شتى المجالات وظائف ذكورية مقارنة بالنساء الفلسطينيات، لأسباب ثقافية بالأساس، ولطبيعة تلك الوظائف في شقها الآخر.  

  أدت صعوبة التنقل في الأراضي الفلسطينية المحتلة – خاصة عقب الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)- وانتشار الحواجز الاحتلالية العسكرية والتعقيدات الأمنية التي فرضتها المنظومة الاستعمارية على حركة الفلسطينين، إلى زيادة صعوبة وصولهم وحصولهم على الحقوق والمصادر الأساسية بما فيها الوصول إلى سوق العمل. وبالتأكيد ينعكس هذا السياق القائم، على تبلور مفاهيم مترسخة في أذهان أفراد  المجتمع الفلسطيني، وتنعكس سلبياً على التقسيمات داخل سوق العمل ومشاركة المرأة العاملة فيه، مقابل فجوات المصالح فيما يتعلق بقضية المساواة بين الجنسين في سوق العمل، فالثقافة الذكورية أضعفت الجهود فيما يتعلق بمنح فرص متكافئة للتوظيف لكلا الجنسين ضمن منطلقات مصالح الأبوية، والتي أدت إلى إشكاليات تعرقل من عملية التغيير وتحقيق أهداف وطموحات الشعب الفلسطيني  (سعيد، 2015: مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2009)  

كذلك هناك تمييز متعلق بمعتقدات الشخص أو بيئته الثقافية و مكان إقامته. وهناك نوع جديد  من التمييز ظهر في الآونة الأخيرة في القطاع العام حيث يتم التمييز بين الأشخاص تبعاً لآرائهم السياسية )  الكفري، 2011 الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني ، 2016).

     حيث تزداد فرص التوظيف بزيادتها ،  مكان السكن (قرية أو مدينة …)، الأدوار الإنجابية والرعوية للنساء، وعدد الأطفال، حيث تعد تلك الأعباء عائقاً أمام عمل النساء ومشاركتهن، وتؤدي الى حرمانها من الحصول على الأفضلية في التوظيف بالرغم من كفاءتها. علاوة على الثقافة المجتمعية التي تفضل توظيف  الرجال بدلاً من النساء، مع ندرة الوظائف، بجانب خوف النساء من تعرضهن للابتزاز في بيئة العمل. 

وفيما يتعلق بانطباعات المشغلين والأفراد حول عمل المرأة،  أكدت نتائج الدراسة  أن الهدف الأساسي لعمل المرأة  هو الحاجة الاقتصادية وكذلك التحسين من المستوى المعيشي للأسر،

وعليه البحث عن مصدر دخل إضافي لتحسين المستوى المعيشي لأسرته ،بينما  رفض  ربع الفلسطينيين فكرة ذهاب المرأة للعمل، وذلك باعتبار مكانها الطبيعي هو بيتها ودورها يقتصر فقط  على الحفاظ على أطفالها وزوجها، إضافة إلى أن المرأة العاملة تميل عادة لإنجاب عدد أقل من الأطفال .(سعيد، 2015 : مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2009)

  تبدأ عملية التمييز من اللحظة الأولى في التقدم للوظيفة؛ واستقبال طلبات التوظيف، حيثُ يتقدم الأفراد ذكوراً وإناثاً  بالمؤهلات نفسها  إلى وظيفة شاغرة معينة، ويتم  النظر إلى نتائج التوظيف واعتبارها  من أوائل المؤشرات لقياس التمييز، ويتم استبعاد النساء من الوظائف التي تنخفض فيها نسبة مشاركتهن مما يقلل  ويؤكد ضرورة أهمية ربط مؤشر كهذا  لقياس التمييز في سياق نوعي وبنيوي ضمن قطاعات التشغيل، خاصة أن التمييز يتبلور بسياسات مسبقة تقصي النساء معها منذ بداية التقدم للوظيفة كما تم الإشارة سابقا (الكفري، 2011 : مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2009).

مما زاد من التمييز بين الرجل والمرأة في القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء . 

كما أدى غياب الأمن الوظيفي والضمان الاجتماعي إلى التأثير سلبيّاً على الموظفين من الذكور والإناث مما أدى إلى ضعف الحماية الاجتماعية للعامل ،  وكذلك أدى عدم وجود صندوق تقاعد في البلد إلى فرض صاحب العمل شروطه على العامل، وهناك مشاكل تظهر بين العاملين وأرباب العمل خاصةً في المشاريع غير المنظمة التي لا تلتزم بالقانون لعدم معرفة أطراف القانون بها. يعتبر مكان العمل محدداً للتمييز بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالأمن الوظيفي وتوفير الحماية الاجتماعية، وما نتج عن ذلك من ظهور الفروقات في منح الامتيازات بين الذكور والإناث بسبب اختلاف نسبة تمثيل كل منهما في الشركات التي تمنح تلك الامتيازات، وهناك بعض الجوانب التي تعيق عمل المرأة أو استمرارھا في وظيفتها مثل (الزواج، الأمومة)، مما يهدد الأمن الوظيفي للمرأة في ظل عدم التزام الشركات بالقانون وعدم تطبيق نظام الضمان الاجتماعي ( الكفري ونصر، 2011).

    التي تتمثل في تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية واتباع سياسة الكنتونات إضافة إلى الحصار الذي يفرضه على قطاع غزة منذ أعوام طويلة، مما نتج عن ذلك ركود اقتصادي وتدن في النمو الاقتصادي الفلسطيني، كذلك أدى ضعف القدرات الإنتاجية إلى ضعف قدرة القطاعات على التوظيف، وبالتالي ارتفاع نسب البطالة بشكل كبير خاصة في قطاع غزة. كذلك تؤدي ثقافة المجتمع ونمطيته السائدة دوراً كبيراً في تحديد أدوار المرأة وجعلها أدواراً تقليدية في ظل ندرة الوظائف. ولا شك بأن عدم الاستقرار السياسي في الأراضي الفلسطينية والذي أدى إلى تجميد المجلس التشريعي وغياب سلطته المتمثلة في سن القوانين الداعمة لقضية المساواة بين الجنسين، قد زاد هذه التحديات صعوبةً في ميدان العمل( الكفري،  2011 ). 

على الرغم من وجود عدد من نقاط الضعف إلا أن هناك توجهات إيجابية أسهمت في توجيه الجهود نحو تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة وتوفير فرص متكافئة لقوى العمل بغض النظر عن جنسهم، ومن أهم  نقاط القوة وجود حكومة تؤمن بفهوم المساواة وتسعى إلى تعزيزه بشتى الوسائل، حيث قامت بالعديد من الإجراءات لدعمه مثل إنشاء وزارة شؤون المرأة، وإضافة وحدة مختصة بالمرأة في ديوان الموظفين، وإقرار مختلف القرارات الداعمة للمساواة، أما على الصعيد العالمي فقد قدمت العديد من المؤسسات الدولية الدعم بأشكاله كافة خاصة الدعم المالي الذي كان من أهم أهدافه تعزيز المساواة في سوق العمل، وقد ساهم ارتفاع عدد النساء المتعلمات وتقاربه مع  عدد الذكور المتعلمين من الفئة العمرية المتوسطة إلى جعل المساواة أمراً واقعاً.

   إن وجود نقاط القوة إلى جانب نقاط الضعف ساهم بشكل كبير للوصول إلى نقطة التوازن فيما يتعلق بقضية المساواة بين الجنسين، إلا أنه لا يمكن الجزم أننا قد وصلنا نقطة محددة وقياسها بشكل كمي، بعيدا عن المقاييس النوعية داخل هذا النمط الوظيفي والذي بحاجة الى منهجية مختلفة ترتبط بأدوات نوعية ، وتتصل بتفاصيل بيئة العمل من منظور نسوي .  

اترك تعليقاً