المرأة في المنهاج الفلسطيني تحت عدسة مركز مراقبة المناهج الاسرائيلي IMPACT SE

CFG6M-650x330
شارك المقالة

تعتبر المدرسة -بما تفرضه من خلال مناهجها الدراسية- جهاز الهيمنة الأيديولوجي الأشد وطأة في يد الدولة والطبقات المتنفذة، فهي تعمل على إعادة إنتاج الواقع أو تعميقه أو تغييره، فالمناهج أدوات المجتمع الثقافية والإجتماعية والسياسية التي يتم من خلالها تطويع أفراد المجتمع. وتحمل نصوص المناهج وصورها رسائل، منها المعلن ومنها الخفي، ولايقل تأثير الرسائل الخفية عن تأثير تلك المعلنة1

   وإدراكا لتلك الأهمية؛ أُصدرت العديد من الدراسات لتربويين أو باحثين أو مراكز بحثية اهتمت أو تخصصت في دراسة المناهج وإعادة قرائتها ونقدها، ومع تنوع المهتمين والمتخصصين في حقل المناهج تنوعت المواضيع والإشكالات التي عالجتها دراساتهم. كما أثر تصاعد الحركات النسوية والوعي الجندري على إبرز موضوع المرأة بقوة في العقود الأخير، غير أن تناول هذا الموضوع  لم يكن من منطلق ودوافع ثابتة دائما؛ فقد اختلفت الدوافع التي تقف وراء حضور الموضوع باختلاف الجهات والشخصيات التي تتناوله، ففي حين كان الهدف من الدراسات الفلسطينية -التي أنتجتها في الأغلب باحثات أومراكز نسوية- ترنو إلى الدفع نحو تحقيق المساواة وتشكيل وعي جديد حول المرأة يتناسب وروح الحداثة _وإن حمل أحيانا أجندات غربية_ ، طغت الدوافع السياسية على الدراسات الإسرائيلية التي تناولت الموضوع ذاته، فاعتمدت الانتقائية وأسلوب ضرب الأمثلة لاطلاق الأحكام على الموضوع بالكلية، والتي اتسمت عادة بوصفها للمنهاج الفلسطيني بالرجعية والتعصب ودفع النساء ليكن معامل لإنتاج العنف. 

  يعتبر مركز2 impact-se من أهم المراكز التي تروّج للرؤية الاسرائيلية  في نقدها لمناهج دول الشرق الأوسط، لاسيما المناهج الفلسطينية، على الرغم من أنها تعرف نفسها على أنها منظمة عالميّة مختصة بمراقبة التسامح وتقبل الآخر في مناهج الشرق الأوسط وفق معايير منظمة اليونسكو، وتصدر دراساتها باللغة الإنجليزية،  كما تحاول إظهار حياديتها بإصدار بعض الدراسات حول المناهج الإسرائيلية فتقف على بعض الانتقادات الطفيفة فقط و تتوصل دائما إلى وصف تلك المناهج بأنها “تقدمية وتحترم وجود الأخر”.

  وتنبع أهمية هذا المركز من عدة ركائز، أولها: ضخامة إصدارات المركزوحداثتها وتجددها بتجدد المناهج لاسيما على الصعيد الفلسطيني، ثانيا: ارتباطه بالفعل السياسي، والمقصود  هنا أنه وجد ليرصد ويتغير وفق الأجندات التي رسمت له، إذ تستخدم دراساته كعامل رئيس وراء الكثيرمن الجلسات والقرارات التي اتخذت بشان المناهج على مستوى الاتحاد الأوروبي والكونغرس الأمريكي، ثالثا: تنشر دراساته في أعرق الصحف والمجلات العالمية وبالتالي فإن له تأثير على الرأي العام العالمي.

كما وتركز دراساته على إبراز كل ما يتعلق بمضامين الجهاد والاستشهاد والكفاح والتضحية والفداء من أجل الوطن على أنها مضامين “تحريضية” تعمل على غرس العدوانية وتنمية نزعة العنف لدى الأطفال الذين سيكبرون يوماً لابدّ ليكونوا مشاريع ارهاب. هذه الأبحاث تقتطع تلك الأمثلة من سياقها العام، ولا تلتزم بميثاق الأمم المتحدة في حق الشعوب المستعمرَة في الدفاع عن نفسها، ولا تقوم بذكرأرقام توضح نسبة تلك المواضيع إلى مجمل المادة الدراسية؛ فتوهم قارئ هذه الأبحاث بأن المنهاج الفلسطيني مؤدلج على العنف والعنصرية.

  ففي دراسة صدرت في 2019 بالتعاون بين وسطية3 و impact-se جاء فيها تحت عنوان فرعي Degradation of Women” “. أن كتاب التربية الإسلامية للصف الثامن ينتقص من مكانة المرأة وحقوقها وذلك ضمن حديثه عن ملك اليمن والجواري وحق الرجل المسلم في الاستمتاع بهن ومعاشرتهن، وتضيف الدراسة أن الكتاب يخالف بذلك القرآن الكريم الذي دعا إلى المساواة بين الرجل والمرأة. وهنا نجد مغالطات كثيرة وقع فيها ذلك التحليل أهمها اقتطاع الإضاءة التي جاء فيها التعريف عن سياقه، إذ أن الدرس بالمجمل يتحدث عن شرح سورة المؤمنون،” والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو  ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين” وجاء في تفسيرها بأن المؤمنين هم الذين يحفظون أنفسهم من الوقوع في المحرمات – الزنى-، والمحلل لهم هن زوجاتهم أو ما ملكت يمينهم أي الجواري. والسياق جاء هنا في تفسير آية قرآنية كانت تتحدث عن سياق تاريخي محدد كانت فيه العبودية أمراً مفروغاً منه، وقد تم توضيح الأمر للطلاب في إضاءة لاحقة كي لا يلتبس عليهم الأمر، بأن هذا الأمر انتهى بانتهاء الرق والعبودية، فأين انتقاص المرأة والنيل منها وتدميرها كما جاء في تحليل تلك الدراسات الإسرائيلية؟

وليست هذه المرة الوحيدة التي يتم فيها اقتطاع النص من سياقه وإساءة ترجمته والزيادة عليه أو انتقاص أشياء منه، بل أننا نكاد نجزم أنها منهجية متعمدة في كل دراسات المركز، ففي مثال آخر نجد دراسة تقول بأنه “رغم وجود تعديلات إيجابية قليلة تتعلق بالمساواة بين الجنسين جرت على المناهج الفلسطينية إلا أننا نجد فقرة في كتاب التربية الإسلامية للصف العاشر تنص على أن المساواة الكاملة بين الجنسين تعتبر غير عادلة وغير حكيمة وذلك لأن الرجال قادة بالفطرة” وعند مراجعتنا للكتاب وجدنا درسا  كاملا تحت عنوان “تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة ” وقد كانت الفكرة الرئيسة حول المساواة بين الرجل والمرأة في الإنسانية والتكريم والتكاليف الشرعية والدينية والمساواة في الحقوق، والدرس كله يتحدث عن رفعة المرأة في الإسلام ونفض غبار الموروثات الثقافية والجاهلية التي تنتقص من مكانتها الآدميّة، وفي حين أن الدراسة الصادرة عن الimpact –se  لم تأتِ على ذكر أيٍّ من ذلك فقد اصطادت بالماء العِكر مجدداً باعتمادها الترجمة المغلوطة للفقرة الأخيرة وهي قوامة الرجل للمرأة والتي جاءت في سياق تفسير الآية الكريمة ” الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”5، وجاء في الكتاب أن المساواة لايمكن أن تكون مطلقة في كل الأمور من المنظور الإسلامي، فواجب الإنفاق والحماية هي واجبات شرعية على الرجل اتجاه أسرته، وهذا لا يهين المرأة أو ينتقص من حريتها، فلها الحق في العمل وتحصيل الدخل الخاص بها ولكن يبقى ضمن حرية تصرفها، أما الإنفاق وتوفير الحياة الكريمة فهو واجب الرجل، وهنا نتساءل لماذا 6تعمدت الدراسة انتقاء الجمل واقتطاعها من سياقها؟

7

وتحت عنوان” Demonizing the Other” أي “شيطنة الآخر”، جاء في الدراسة أن المنهاج الفلسطيني يدرّس قصصا ورواياتٍ تعادي السامية، ومن ذلك ما ورد في ذكر القصة التي أهان فيها صائغ يهودي امرأة مسلمة في مكان عام، وأن طريقة سرد القصة اُستخدمت لإثارة الكراهية اتجاه اليهود. غير أن الحقيقة تكمن في كون القصة جاءت ضمن درس “غزوة بني قينقاع”وكانت إحدى الأسباب التي أدت لتلك المعركة ولم يكن الغرض منها هو معاداة السامية، وإنما إظهار الحقائق التاريخية، وهذا الموقف يبين شدة احترام الإسلام لخصوصية المرأة وحرصه على حفظ شرفها وسلامتها، فهي ثمينة  لدرجة أن تخوض الدولة لأجلها حربا، وهو مايناقض ما توصلت إليه الدراسة سابقا من احتقار المرأة في الاسلام.

8

 من جهة أخرى تحاول الدراسات ذاتها تسليط الضوء على كون المنهاج الفلسطيني يهدف الى أدلجة الفتاة الفلسطينية على العنف والارهاب ودفعها للاعتقاد بأن الشرف الأعظم هو التضحية بالنفس والعائلة من أجل الوطن، حتى أن بعض التفسيرات ذهبت إلى ربط بعض ماورد في المنهاج بالظروف السياسية التي عاصرت إصدار الكتاب، ومن ذلك هذه الصورة التي نرى فيها امرأة ترتدي لباساً إسلامياً كاملا وتحمل سيفا. الصورة بأكملها توحي بأنها تاريخية وليست معاصرة وجاءت ضمن درس “من صحابيات رسول الله”  غير أنه تم اقتطاع الصورة والتعقيب عليها بأن كتاب التربية الإسلامية تم تحضيره في فترة انتفاضة السكاكين في 2015-22016 عندما شجعت وسائل التواصل الاجتماعي الفتيان والفتيات على مهاجمة الإسرائيليين بالسكاكين والأدوات الحادة الأخرى. يبدو أن هذه الصورة ، تحرض الفتيات على القتال حتى إن كان في ذلك فقدانها لروحها، وهي-أي الصورة- تعيد تجسيد العلاقة بين شهيدات الإسلام وفتيات اليوم. وللعلم فقد تم تغيير هذه الصورة في المنهاج الجديد واستبدلت بمرأة مسلمة تركب حصانا دون وجود أي أسلحة.   

   ومن أكثر الموضيع التي أخذت صدى في غالبية الدراسات هو درس دلال المغربي؛ إذ اننا لانجد دراسة صدرت عنimpact-se ، إلا وأفردت حيزاً لانتقاد درس دلال المغربي والاعتراض عليه بشدة مدعية في ذلك أن السلطة تأتي على تخليد “الإرهابين” الذين روعوا أمن اسرائيل وقتلوا مواطنيها، وذكرت بأن مطلب المساواة بين الجنسين استخدم من قبل واضعي المناهج الفلسطينية في مساواة الفتيات بالفتية في حمل الهم الوطني وواجب الذود عن الوطن بالأرواح والأهل والأولاد ليكبرن ويكن كما وصفتهن الدراسة “معامل إنتاج للإرهابين”9.

ورغم أن بعض الدراسات ذاتها  تعترف بوجود تحسن في التعديلات التي أجريت على المناهج الفلسطينية في مواضيع حقوق الإنسان والبيئة والتنمية المستدامة والجندر، إلا أنها تستغل الفرصة لذكر أن الأمر ذاته لا ينطبق على قضية احترام الآخر والتعايش معه وهو الإسرائيلي بطبيعة الحال10.

  وكأن  الطفل الفلسطيني التي تقاتل تلك المؤسسة الإسرائيلية لغسل دماغه لا يستطيع -وحتى بدون المناهج- أن يميز بأن اسرائيل قوة احتلالية غاشمة تمارس كل وسائل القهر والعنف ضده وضد عائلته ومجتمعه . ويبقى من واجبنا كأكاديميين وإعلاميين وبالتعاون مع مؤسسات السلطة العمل على فضح ممارسات مثل هذه المؤسسات، وتبيان زيفها وأكاذيبها أمام المجتمع الدولي والتمسك بحقنا كشعب مستعمر بالحفاظ على هويتنا وكينونتنا وعدم المساومة على مناهجنا، والعمل على توسيع دائرة العمل مع الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط ، للتنبه لهكذا مؤسسات لاسيما أن نشاطها إقليميا لايقل خطرا عنه محليا وهي في النهاية تهدف إلى تطبيع وجود اسرائيل ونفي أي صفة احلاليه عنه.

المصادر والمراجع:

  1. أبو عياش، اسراء. “صورة المرأة في المناهج الفلسطينية.” مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 17، عدد 65 (شتاء 2006)، صفحة 69 .
  2. هو نفسه مركز مراقبة تأثير السلامCMIP، الذي انشأ في 1998م وهدفه تحليل محتويات المناهج التي تستخدم في الشرق الأوسط، والذي يرصد ما يتم تعليمه للاطفال بشأن اسرائيل من حيث الاعتراف بها وحقها بالوجود. وقد تم تغيير اسمه لاحقا الى ( (IMPACT-SE .
  3. حركة وسطية أسسها محمد ديجاني 2007 وهو يؤمن بالاعتدال والوسطية في كل الأمور وهو يعمل على اعادة تفسير كل نصوص القران بعيدا عن الرديكالية كما يزعم وصولا الى هدفه الأسمى السلام، وهو متهم فلسطينيا بالتطبيع ومساوقة الاحتلال.
  4. Mohammed S. Dajani Daoud. Exploring the Palestinian Curriculum.) Jerusalem: 2019(, p17
  5. القرأن الكريم، سورة النساء، ايه 34
  6. The 2020–21 Palestinian School Curriculum Grades 1–12 Selected Examples. Pp10
  7. كتاب التربية الاسلامية، الصف العاشر، الفصل الأول ، ص81
  8. كتاب التربية الاسلامية، صف السابع، الفصل الثاني، ص66
  9. Mohammed S. Dajani Daoud. Exploring the Palestinian Curriculum.) Jerusalem: 2019(, p14
  10. The 2020–21 Palestinian School Curriculum grad 1-12 .2021 pp 5

اترك تعليقاً